الأحد، 11 فبراير 2018

نص قصيدة يا حسرة لأبي فراس الحمداني


إعداد وشرح وتحليل  .د .أبوهداية محمد إسماعيل محمد

التعريف بالشاعر

أبو فراس الحمداني: هو الحارث بن سعيد بن حمدان الحمداني، ولد في الموصل سنة320هـ- 932م.وهو شاعر عباسي.
قُتل والده وكان أبو فراس في الثالثة من عمره، رعاه عمه سيف الدولة، نشأ على الفروسية وحُب القتال،وكريم الخصال. شاءت الظروف أن يأسره الروم وتطول مدة الأسر به. ولسبع سنين كانت قصائده تلح على سيف الدولة ليفتديه من الروم .توفي سنة357ه- 967م.
مناسبة النص:
أن أبا فراس بلغه خبر مجيء والدته تكلم سيف الدولة في أمر مفاداة ابنها المأسور، ولكنها لم تلق عند سيف الدولة حُسن الوفادة، بل أن سيف الدولة رأي أن يعامل أسرى الروم لديه بالقسوة، ومن ثمَّ لقي أسرى العرب عند الروم من جراء ذلك، المعاملة نفسها، وأبو فراس واحد من هؤلاء الأسرى عند الروم.
نحاول هذه المحاضرة أن تقف على رومية أبي فراس الحمداني التي كتبها في أسره في بلاد الروم.
القصيدة:
يَا حَسْرَةً مَا أكَادُ أحْمِلُهَا،                       آخِرُهَا مُزْعِجٌ، وَأوّلُهَا!
عَلِيلَةٌ، بِالشّامِ مُفْرَدَةٌ،                       بَات، بأيْدي العِدى، مُعَلِّلُهَا
تُمْسِكُ أحْشَاءَهَا، عَلى حُرَقٍ                 تُطْفِئُهَا، وَالـهُمُومُ تُشْعِلُهَا
إذا اطمأنّتْ، وَأيْنَ؟ أوْ هَدَأتْ،                      عَنّتْ لَهَا ذِكْرَةٌ تُقَلْقِلُهَا
تَسألُ عَنّا الرُّكْبَانَ، جَاهَدَةً                          بِأدْمُعٍ مَا تَكَادُ تُمْهِلُهَا
يا مَنْ رَأى لي، بِحصْنِ خَرْشَنَةٍ،         أُسْدَ شَرىً، في القُيُودِ أرْجُلُهَا
يَا مَنْ رَأى لي الدّرُوبَ، شامِخَةً              دُونَ لِقَاءِ الحَبِيبِ أطْوَلُها
يا مَنْ رَأى لي القُيُودَ، مُوثَقَةً                   عَلى حَبِيبِ الفُؤادِ أثْقَلُهَا !
      يَا أيّهَا الرّاكِبَانِ، هَلْ لَكُما في                   حَملِ نجوَى يخِفّ مَحمَلُهَا
قُولا لـها، إنْ وَعَتْ مَقَالَكُمَا                    ، وَإنّ ذِكْري لـهَا لَيُذْهِلُهَا
       يَا أُمّتَاَ، هَذِهِ مَنَازِلُنَا                                  نَتْرُكُهَا تَارَةً، وَنَنْزِلُهَا!
      أسْلَمَنَا قَوْمُنَا إلى نُوَبِ                          أيْسَرُها في القلوبِ أَقْتَلُها
       لَيسَتْ تَنالُ القُيوُدُ من قَدَمي،               وَفي اتّبَاعي رِضَاكَ، أحْمِلُهَا
       أنْتَ سَمَاءٌ، وَنَحنُ أنْجُمُهَا،                        أنْتَ بِلادٌ، وَنَحنُ أجْبُلُهَا!
        أنْتَ سَحَابٌ، وَنَحْنُ وَابِلُهُ،                        أنْتَ يَمِينٌ، وَنَحْنُ أنْمُلُهَا!
         بِأيّ عُذْرٍ، رَدَدْتَ وَالِهَةً،                     عَلَيْكَ، دُونَ الوَرَى، مُعَوَّلُهَا
        جَاءتْكَ، تَمتَاحُ رَدّ وَاحِدِهَا،                     يَنْتَظِرُ النّاسُ كَيْفَ تُقْفِلُهَا
         إنْ كُنتَ لمْ تَبذِلِ الفِداءَ لـهَا              ! فَلَمْ أزَلْ، في رِضَاكَ، أبْذِلُهَا
         تِلكَ المَوَدّاتُ، كيفَ تُهمِلُها؟               تِلكَ المَوَاعِيدُ، كَيفَ تُغفِلُهَا؟
         تِلكَ العُقُودُ، التي عَقَدْتَ لَنا،             كيفَ، وَقد أُحكِمتْ، تُحلّلُها؟
        أرْحامُنا مِنكَ، لِمْ تُقَطّعُهَا؟                     وَلمْ تَزَلْ، دَائِباً، توصِّلُـها؟
        أينَ المعالي التي عُرِفْتَ بها،                       تَقُولُها، دائماً، وَتَفْعَلُها؟
         يَا نَاعِمَ الثّوْبِ! كَيفَ تُبدِلُهُ؟                   ثِيَابُنَا الصّوفُ مَا نُبَدِّلُهَا!
الأفكار:
تتضمن القصيدة أفكاراً أهمها:
 - حسرة الشاعر لما يلاقي من آلام وأشواق وهو بعيد عن أهله وفي أسره.
  - يعصف الحنين في صدر الشاعر إلى أمه، فيصف حالها وهي المريضة في الشام، ويصف جزعها عليه، وسؤلها المسافرين عن وحيدها المأسور في بلاد الروم.
  - جواب الشاعر على سؤال أمه عنه، وإظهار خوفه عليها، وشوقه لها، ووصف آلامه ومتاعبه في الأسر وما يتحمله من معاناة، ثم بيان تباطؤ ابن عمه في افتدائه وفك أسره.
  - حواره العاتب مع ابن عمه الذي يقدم فيه صور الوفاء والحب له، مقيماً معادلة بين حالته المنعمة وبين ما هو عليه الآن وهو في الأسر عند الروم في شقاء وعذاب، فبينما كان هو يعتلي ظهور الخيل حُراً طليقاً، يلبس أفخر الثياب ويُخدم كالأمراء، كان الروم مقيدين في الأسر، يلبسون الصوف ويقومون بالأعمال الشاقة التي يفرضها الأسر.
التحليل:
القصيدة يسيطر عليها تياران:
- تيار طلب الفداء الذي نلمسه في مدح أبي فراس لسيف الدولة ، وحبه ووفائه له؛ فإذا كان سيف الدولة سماء ( فنحن أنجمها)، وإذا كان بلاداً ( فنحن أجبلها). وإذا كان سحاباً( فنحن وابله(
وخلال هذا التيار يحث أبو فراس سيف الدولة على الفداء تارة بالتلميح وطوراً بالتصريح فتبدوا حرقة أبي فراس من جراء الغربة وحاجته إلى الحرية.
 - والتيار الثاني هو المتمثل في تلك المقابلة المؤلمة بين أمير حلب وأسرى الروم وأسرى العرب عند الروم، وفي ذلك تقريع يوجهه إلى أميره، وهو أقسى من الهجاء الصريح.
البلاغة والأساليب:
-الألفاظ في القصيدة قريبة المدلول لا أثر لعامل الإيحاء والتصوير عليها.
- العبارات خالية من التعقيد؛ لأنها تعبر عن حالة نفسية واضحة لا تعقيد فيها.
-يفرط أبو فراس في هذه القصيدة في النداء وفي أسلوب الاستفهام المليء بالحيرة والألم والتمزق؛ وذلك لما يُرى في الأسلوبين من تجاوب مع آلامه.من ذلك:كيف تثقلها؟ كيف تهملها؟ كيف تغفلها؟ كيف تحللها؟ لِمْ تقطعها؟
_ تتوالى التذكرات تحاول أن تتلمس في قلب سيف الدولة مكاناً لما يذكره أبو فراس عن(تلك المودات)، وعن(تلك المواعيد)، وعن(تلك العقود).
_ (الهموم تشعلها): استعارة، حيث شبهت كثرة الهموم التي تُحدث حرقة في الأحشاء بالنار المشتعلة، وحذف المشبه به ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو( تشعلها)، على سبيل الاستعارة المكنية.
الإعراب:
(أكاد أحملها) : أكاد: فعل مضارع ناقص وهو للمقاربة، واسمه ضمير مستتر فيه وجوباً تقديره(أنا).(أحملها):فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوياً تقديره (أنا)، والهاء ضمير مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية (أحملها) في محل نصب خبر(أكاد).  )أين المعالي):أين: اسم استفهام مبني على الفتح في محل رفع خبر مقدم وجوباً.المعالي:مبتدأ مؤخر مرفوع بضمة مقدرة على أخره.
نص قصيدة حسان بن ثابت في مدحه للرسول (ص)


إعداد وشرح وتحليل  .د .أبوهداية محمد إسماعيل محمد
التعريف بالشاعر:
هو أبو الوليد حسان بن ثابت الأنصاري ، من قبيلة الخزرج التي استقرت في المدينة، نشأ في الجاهلية ، وقال الشعر يمدح الملوك والأمراء.
ولما هاجر الرسول ( صلى الله عليه وسلم)إلى المدينة، أسلم حسان ودافع عن الرسول والمسلمين وهجا المشركين من القرشيين هجاء شديداً. عاش طويلاً ومات سنة 54هـ بعد أن كف بصره. ويقال إنه عاش ما يقرب من مائة وعشرين سنة، نصفها في الإسلام.
نحاول هذه المحاضرة أن تقف على الشاعر : حسان بن ثابت ، في قصيدته التي يمدح فيها الرسول ( صلى الله عليه وسلم).
القصيدة:
فَإمّا تُعْرِضُوا عَنّا اعْتَمَرْنَا،           وكانَ الفَتْحُ، وانْكَشَفَ الغِطاءُ
وإلاّ، فَاصْبِرُوا لِجِلادِ يَوْمٍ،                        يُعِزُّ اللَّهُ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ
 وَجِبْرِيلٌ أمِينُ اللَّهِ فِينَا،                 وَرُوحُ القُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ
وَقَالَ اللَّهُ: قَدْ أرْسَلْتُ عَبْداً                يَقُولُ الحَقَّ إنْ نَفَعَ البَلاءُ
شَهِدْتُ بِهِ، فَقُومُوا صَدِّقُوهُ!                  فَقُلْتُمْ: لا نَقُومُ وَلا نَشَاءُ
وَقَالَ اللَّهُ: قَدْ يَسّرْتُ جُنْداً،           هُمُ الأنْصَارُ، عُرْضَتُها اللَّقَاءُ
 لَنَا في كُلّ يَوْمٍ مِنْ مَعَدٍّ                  سِبابٌ، أوْ قِتَالٌ، أوْ هِجاءُ
فَنُحْكِمُ بالقَوَافي مَنْ هَجَانَا،             وَنَضْرِبُ حِينَ تَخْتَلِطُ الدمَاءُ
ألا أبْلِغْ أبَا سُفْيَانَ عنّي،                    فَأنْتَ مُجَوَّفٌ نَخِبٌ هَوَاءُ
بِأنّ سُيُوفَنَا تَرَكَتْكَ عَبْداً،                وَعَبْدَ الدّارِ سَادَتُهَا الإمَاءُ
هَجَوْتَ مُحَمّداً، فَأجَبْتُ عَنْه                   وَعِنْدَ اللَّهِ في ذاكَ الجَزَاءُ
أتَهْجُوهُ، وَلَسْتَ لَهُ بكُفْءٍ،                 فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُمَا الفِداءُ
هَجَوْتَ مُبَارَكاً، بَرَّاً، حَنِيفاً،                  أمِينَ اللَّهِ، شِيمَتُهُ الوَفَاءُ
فَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ،              وَيَمْدَحُه، ويَنْصُرُهُ سَوَاءُ
فَإنّ أبي وَوَالِدَهُ وَعِرْضي                  لِعِرْضِ مُحَمّدٍ مِنْكُم وِقَاءُ
شعره:
يمكن أن يقسم شعر حسان إلى قسمين، لكل منهما خصائصه ومميزاته، وهذا التقسيم مرتبط بحياة حسان الزمنية : فقد عاش نصفها الأول في الجاهلية ونصفها الثاني في الإسلام.
كان حسان في الجاهلية شاعر الخزرج، ولقد أتيح لحسان في تلك الفترة خير الفرص التي كانت تتاح للشعراء
وكان شعره في الفترة الأولى من حياته قوياً متصفاً بالجزالة والفخامة يحوي كثيراً من الألفاظ الغريبة.
وفي الفترة الثانية من حياته ، كان حسان شاعر النبوة وشاعر الإسلام.
والدين الجديد قد حد من حرية الشعراء جميعاً، فاقتصر بذلك شعر حسان على هجاء الكفار ومدح الرسول والدفاع عن الإسلام والدعوة إليه. كما أن السن كانت قد تقدمت به، فتولت عنه قفزات الخيال واندفاعات الشباب ، وكان مضطراً إلى أن يقول الشعر مرتجلاً بكثرة ؛ لتعدد الدواعي المتجددة دفاعاً عن الإسلام والنبي والمسلمين ؛ لهذا كان شعره في الإسلام أضعف من شعره في الجاهلية، وليس بصحيح ما ذهب إليه النقاد من أنحسان بن ثابت قد تأثر بالقرآن فضعف شعره الإسلامي؛ لأن التأثر بالأساليب القرآنية يزيد في قوة الشعر وجماله وروعته لا في ضعفه ، فشعراء الخوارج والشعراء الأمويين وخاصة الفرزدق قد تأثروا حقاً بالقرآن.
تأثر شعر حسان بالإسلام
وحظ حسان من التأثر بالإسلام يظهر من استعماله بعض ألفاظ قرآنية وإسلامية ، كالتقوى ، والسنة ، وجبريل روح القدس .وأخذ في شعره عن القرآن طريقة إقامة الدليل والدفاع عن الإسلام والرسول والجدل على نحو ما نراه واضحاً في القصيدة.
المفردات:
الجلاد: التضارب بالسيوف في القتال.روح القدس: جبريل.الكفاء: النظير. عبداً: يعني سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم). البلاء:المحنة والاختبار. شهدت:أمنت وصدقت.لنا:معشر الأنصار.معد: قريشاً. السباء: الأسر.نحكم: نرد. القوافي: القصائد.مجوف: جبان .نخب هواء: جبان لا قلب له.  عبداً:ذليلاً.الإماء:الجواري.الجزاء: المكافأة. شيمته:طبعه.الوقاء: الحفظ والحماية.

التحليل:
 - يخير قريشاً بين أمرين: إما أن يخلو الطريق ليعتمر الرسول وصحبه،فتحقن الدماء،وإما أن يستعدوا لقتال يكتب الله فيه النصر للمؤمنين به ، الناصرين دعوته.
-  يخوف قريشاً بالهزيمة؛لأنهم مؤيدون بقوة الله ، وليس للمشركين من الله قوة.
 -
يفخر على قريش بأنه هو وقومه آزروا النبي وتقبلوا دعوته ودافعوا عنها، ويفخر بأن الله تعالى أختارهم لنصرة الرسول ( صل  الله عليه وسلم(
 -
يؤكد ما من يوم يمر إلا وللأنصار ظفر في قريش بالقتل أو السبي أو إذاعة سوء ما فعلوا من خذلانهم للرسول وعدائهم له.
 -
من تعرض لنا بالهجاء قذفناه بشعر لاذع ، ومن رام قتالنا فله الويل.
-
يتعرض لأبي سفيان المغيرة بن الحارث فيصفه بالجبن والخور، وأن سيوف الأنصار جعلته ذليلاً حقيراً، كما أن عبد الدار سقطت أبطالهم تحت سيوف الأنصار فلم يبق غير الإماء يرفعن اللواء.
يشير إلى أن أبا سفيان المغيرة بن الحارث ما كان ينبغي له أن يهجو الرسول، لأنه ليس بالنظير له، وإنما كان من عادة العرب أن ينازل الناس أمثالهم.
 -
يبالغ في الاستهانة بالمغيرة وبقومه ، فمدحهم لرسول الله ونصرتهم له أو هجاؤهم إياه سواء.
 -
إنكم إن تعرضتم للرسول بشيء ما ، فإننا نفديه بأعز ما لدينا من عرض ومال وننصره بالآباء والأبناء .

البلاغة:
فاصبروا لجلاد يوم أسلوب تهديد ووعيد.    تختلط الدماء: كناية عن شدة القتال.
فأنت مجوف نخب هواء: كناية عن الجبن.  فمن يهجو رسول الله منكم ويمدحه وينصره سواء:كناية عن التحقير من شأنهم.  فقوموا: أمر يفيد الحث والنصح والإرشاد.     أسلوب الحوار: قال، قلت
الإعراب:

قال الله: قال: فعل ماضٍ مبني على الفتح.       لفظ الجلالة: فاعل مرفوع بالضمة.     أبلغ أبا سفيان: أبلغ : فعل أمر مبني على السكون.     الفاعل ضمير مستتر تقديره(أنت).    أبا: اسم من الأسماء الخمسة منصوب بالألف ؛ لأنه مفعول به.    سفيانَ: مضاف إليه مجرور بالفتحة لأنه ممنوع من الصرف.    أنت مجوف:أنت: ضمير مبني في محل رفع مبتدأ.    مجوف:خبر مرفوع بالضمة.
شرح أبيات قصيدة عروة بن الورد
إعداد وشرح وتحليل  .د .أبوهداية محمد إسماعيل محمد

الشاعر والنص:

عروة بن الورد ، من أبرز الشعراء الصعاليك الذين عرفتهم الجاهلية كان يجمع الصعاليك ويغزو بهم، ولذا سمِّي ” عروة الصعاليك ” ، و“أبو الصعاليك ”.وشعره صوره صادقة لحياته التي عاشها.
وقطعته الشعرية هذه تصور بوضوح وجلاء رؤيته للصعلوك الذي يستحق الحياة. والقصيدة عبارة عن لوحتين إحداهما للصعلوك الجريء، والأخرى للصعلوك الخامل.
النص:  اللوحة الأولى( الصعلوك الخامل) :
لحى اللَّهُ صُعلوكاً، إذا جَنّ ليلُهُ      مُصافي المُشاشِ، آلفاً كلَّ مَجزر
أعُدّ الغِنى من نفسه، كلّ ليلة          أصابَ قِراها من صَديقٍ ميسَّر
ينامُ عِشاءً ثم يصبحُ ناعساً           يحُتُّ الحَصى عن جنبِهِ المتعفِّر
قليلُ التماسِ الزادِ إلاّ لنفسِهِ      إذا هو أمسَى كالعريشِ المجوَّر
يُعينُ نِساء الحيّ، ما يَستعِنّه         ويمسي طليحاً، كالبعير المحسَّر
اللوحة الثانية( الصعلوك الجريء( :
ولله صُعلوكٌ، صفيحةُ وجهِهِ            كضَوءِ شِهابِ القابس المتنوِّر
مُطِلاَّ على أعدائِهِ يَزجرونَه             بساحتِهم، زَجرَ المَنيح المشهَّر
إذا بَعُدوا لا يأمنون اقترابَه               تشوُّفَ أهل الغائب المتنظَّر
فذلك إن يلقَ المنيّة يَلْقَها          حميداً، وإن يَستَغنِ يوماً، فأجدِر

المفردات:
لحاه الله : قبحه ولعنه. الصعلوك: الفقير. المشاش : رؤوس العظام اللينة التي يمكن مضغها. المجزر : موضع الجزر. الميسر: الذي نتجت إبله وغنمه فكثر لديه اللبن.العريش: خيمة من خشب أو جريد.المجور: الساقط المتهدم.المتعفر: الذي عليه عفر وهو التراب. الطليح : المتعب. المتحسر من الإبل: الهزيل الذي تساقط وبره المنيح: قدح يستعار يضرب به ثم يرد لصاحبه. أجدر: أي جدير بما حققه من غنى.
الشرح والأفكار الأساسية:
يقدم عروة بن الورد لوحتين، الأولى: تصور صعلوكاً خاملاً كسولاً إذا حل عليه الليل يقوم بجمع العظام اللينة من مخلفات المجازر.
-  غاية مناه ومبتغى غناه أن يجد طعامه عند صديق ميسور الحال.
 -ليس لديه أي طموح لا يفكر إلا في نفسه وإطعام ذاته
-   ينام إلى الضحى كعمود الخيمة الملاصق للأرض.
-  كثير النوم ؛ ينام من العشاء إلى الضحى ومع ذلك يصبح ناعساً ، ومن كثرة نومه التصق الحصى بجنبه.
 -دوره في المجتمع وضيع ؛ حيث مهمته تقتصر على إعانة نساء الحي إذا استعن به ، ومن أثر هذه الخدمة الوضيعة ينام متعباً مهدوداً كالبعير الهزيل الذي نحل وتساقط وبره.
أما اللوحة الثانية التي يعجب بها عروة ويفخر بها:
-      فهي لصعلوك وجهه منور كالمصباح المنير.
 -له حضور ووجود ودور مشرِّف في المجتمع ، لا يقبل الذل والمهانة ، عينه على أعدائه يحاولون بشتى الطرق إبعاده عن ساحتهم.
 -وإن بعدوا عنه لا يأمنونه فهم في ترقب له كترقب من ينتظر غائباً عزيزاً عليه.
 -   
وهو لا يخاف الموت، إن مات ،مات محمود السيرة، وإن عاش عاش غنياً بما حققه من غنى.
البلاغة والأساليب:
-              ) لحى الله صعلوكاً):أسلوب دعاء بالقبح واللعنة.
-               ( مصاف المشاش آلفاً كل مجزر): صور الصعلوك الخامل بخنزير أو حيوان يبحث عن الفضلات.
-              ) قليل التماس الزاد إلا لنفسه): دلالة على الأنانية وحب الذات وانعدام النخوة والمروءة.
-      ( إذا هو أضحى كالعريش المجور):صور الصعلوك الخامل بعمود الخيمة الملقى على الأرض ، وهذا دلالة على الكسل والخمول وعدم النشاط.
-              (ينام عشاءً ثم يصبح ناعساً ): دلالة على الكسل والوخم.
-              (يحت الحصى عن جنبه المتعفر):دلالة على كثرة النوم
-              (يعين نساء الحي ما يستعنه):إيحاء بعدم الكرامة والنخوة فهو لا يتعامل إلا مع النساء.
-              (فيضحى طليحاً كالبعير المحسر):صور الصعلوك في هزله وضعفه بالبعير المتعب الهزيل الذي تساقط وبره.
-              )ولله صعلوك): تقديم وتأخير يوحي بمكانة هذا الصعلوك وقدره.
  -( ولله صعلوك صفيحة وجهه كضوء شهاب القابس المتنور):تصوير لوجه الصعلوك النشيط في توقده ويقظته ولمعانه بالمصباح المنير.
-              )وإن بعدوا لا يأمنون اقترابه) :دلالة على تخوف الأعداء منه وأخذهم الحيطة والحذر منه.
-              )وإن يلق المنية يلقها حميداً):دلالة على مواجهته الموت ببسالة
الإعراب:
- (لحى الله صعلوكاً): لحى: فعل ماض مبني على الفتح. الله: لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة. صعلوكاً: مفعول به منصوب بالفتحة.
-      (ينام عشاءً): ينام : فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة . والفاعل ضمير مستتر تقديره : هو. عشاءً : مفعول به منصوب بالفتحة الظاهر.

- (لله صعلوك):لله: جار ومجرور خبر مقدم. صعلوك: مبتدأ مؤخر.